أحمد مصطفى المراغي
42
تفسير المراغي
قال شاعرهم : فما أدع السفارة بين قومي * ولا أمشى بغشّ إن مشيت والمراد هنا الملائكة والأنبياء ، لأنهم وسائط بين اللّه وخلقه في البيان عما يريد ، كرام : واحدهم كريم ، بررة : واحدهم بارّ ، والمراد أنهم كرام على اللّه ، أطهار لا يقارفون ذنبا . المعنى الجملي بعد أن ذكر سبحانه حادث ابن أم مكتوم وعتبه على رسوله فيما كان منه معه ، أردف ذلك ببيان أن الهداية التي يسوقها اللّه إلى البشر على ألسنة رسله ، ليست من الأمور التي يحتال لتقريرها في النفوس وتثبيتها في القلوب ، وإنما هي تذكرة يقصد بها تنبيه الغافل إلى ما جبل الخلق عليه من معرفة توحيده ؛ فمن أعرض عن ذلك فإنه معاند يقاوم ما يدعوه إليه حسه ، وتنازعه إليه نفسه . فما عليك إلا أن تبلغ ما عرفت عن ربك ، لتذكر به الناس ، وتنبه الغافل ، أما أن تحابى القوىّ المعاند ، ظنا منك أن مداجاته ترده عن عناده ، فذلك ليس من شأنك ، « فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى » . وهذه الهداية أودعها سبحانه في الصحف الإلهية الشريفة القدر ، المطهرة من النقائص والعيوب ، وأنزلها على الناس بوساطة ملائكته الكرام البررة . الإيضاح ( كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ) أي ما الأمر كما تفعل أيها الرسول ، بأن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى ، وتقبل على من استغنى ، بل الهداية المودعة في الكتب الإلهية وأجلّها القرآن ، تذكير ووعظ وتنبيه لمن غفل عن آيات ربه . وقد وصف سبحانه تلك التذكرة بأوصاف تدل على ما لها من عظيم الشأن فقال :