أحمد مصطفى المراغي
34
تفسير المراغي
وزجر نفسه عن هواها ، فلم تجر وراء شهواتها فالجنة منزله ومأواه ، جزاء ما قدمت يداه . الإيضاح ( فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ) أي فإذا حل ذلك اليوم الذي تشيب من هوله الولدان ، وتشاهد فيه النار ، فينسى المرء كل هول دونها - فصل اللّه بين الخلائق ، فأدخل الطائعين الأبرار الجنة ، وأدخل المتمردين العصاة النار . وقد وصف هذا اليوم بوصفين : ( 1 ) ( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ) أي حين يرى الإنسان أعماله مدوّنة في كتابه وكان قد نسيها فتعاوده الذكرى ، كما قال سبحانه : « أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ » . ( 2 ) ( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ) أي وأظهرت النار حتى يراها كل ذي عينين سواء منهم المؤمن والكافر ، سوى أنها تكون مقرّا للكافرين ، وينجى اللّه المؤمنين . والخلاصة - إذا جاء ذلك اليوم فصل اللّه بين الخلائق كما فصّله بعد بقوله : ( فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ) أي فأما من تكبر وتجاوز الحد وآثر لذات الحياة الدنيا ، وشهواتها على ثواب الآخرة ، فالنار مثواه ومستقره . ( وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) أي وأما من حذر وقوفه بين يدي ربه يوم القيامة ، وأدرك مقدار عظمته وقهره ، وغلبة جبروته وسطوته ، وجنب نفسه الوقوع في محارمه ، فالجنة مثواه وقراره . وقد ذكر سبحانه من أوصاف السعداء شيئين يضادان أوصاف الأشقياء : ( 1 ) فقوله : « خافَ مَقامَ رَبِّهِ » يقابل قوله : « طَغى » وقوله : « وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى » يضاد قوله : « وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا » وقد مدح الحكماء مخالفة