أحمد مصطفى المراغي
258
تفسير المراغي
لتكذيب قومه له على وضوح الحق وسطوع البرهان ، كما قال تعالى مخاطبا رسوله : « فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً » وقال : « فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » وقال : « قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ . فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » . وفي هذا القلق والضجر استبطاء لنصر اللّه للحق الذي بعث به نبيّه ، بل فيه سهو عن وعد اللّه بتأييد دينه ، كما جاء في قوله : « وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ » ؟ . هذا الضجر ليس بنقص يعاب به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لكن اللّه يعدّه على أقرب عباده إليه ، كما قالوا : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقد يراه النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا رجع إلى نفسه وخرج من غمرة شدته ذنبا يتوب إلى اللّه منه ويستغفره ، ومن ثم ورد الأمر الإلهى بالاستغفار مما كان منه من حزن وضجر في أوقات الشدة حين يجئ الفتح والنصر . الإيضاح ( إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) أي إذا رأيت نصر اللّه لدين الحق ، وانهزام أهل الشرك وخذلانهم ، وفتح اللّه بينك وبين قومك ، بجعل الغلبة لك عليهم ، وإعزاز أمرك ، وإعلاء كلمتك . ( وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ) أي ورأيت الناس يدخلون في دينك ، وينضوون تحت لوائك جماعات لا أفرادا كما كان في بدء أمرك وقت الشدة .