أحمد مصطفى المراغي

250

تفسير المراغي

شرعت لأجلها ، لأن قلبه غافل عما يقوله اللسان ، وتفعله الجوارح ، فيركع وهو لاه عن ركوعه ، ويسجد وهو لاه عن سجوده ، ويكبر وهو لا يعى ما يقول ؛ وإنما هي حركات اعتادها ، وكلمات حفظها ، لا تدرك نفسه معناها ، ولا تصل إلى معرفة ثمرتها . ( الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ) أي إنهم يفعلون أفعالا ظاهرة بقدر ما يرى الناس ، دون أن تستشعر قلوبهم بها ، أو تصل إلى معرفة حكمها وأسرارها . ( وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ) أي ويمنعون ما لم تجر العادة بمنعه مما يسأله الفقير والغنى ، وينسب منعه إلى لؤم الطبع وسوء الخلق كالقدر والفأس ، والقدوم ونحو ذلك . قال الأستاذ الإمام : فأولئك الذين يصلّون ، ولا يأتون من الأعمال إلا ما يرى للناس ، مما لا يكلفهم بذل شئ من مالهم ، ولا يخشون منه ضررا يلحق بأبدانهم ، أو نقصا يلمّ بجاههم ، ثم يمنعون ما عونهم ، ولا ينهضون بباعث الرحمة إلى سدّ حاجة المعوزين ، وتوفير ما يكفل راحتهم وأمنهم وطمأنينتهم - لا تنفعهم صلاتهم ، ولا تخرجهم عن حد المكذبين بالدين ، لا فرق بين من وسموا أنفسهم بسمة الإسلام أو غيره ، فإن حكم اللّه واحد ، لا محاباة فيه للأسماء المنتحلة ، التي لا قيمة لها إلا بمعانيها الصحيحة المنطبقة على مراده تعالى من تحديد الأعمال وتقرير الشرائع . فخاصة المصدّق بالدين التي تميزه عن سواه من المكذبين هو العدل والرحمة وبذل المعروف للناس ، وخاصة المكذب التي يمتاز بها عن المصدقين هي احتقار حقوق الضعفاء وقلة الاهتمام بمن تلذعهم آلام الحاجة ، وحب الأثرة بالمال ، والتعزز بالقوة ، ومنع المعروف عمن يستحقه من الناس . فهل للمسلمين الذين يزعمون أنهم يؤمنون بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبما جاء به أن يقيسوا أحوالهم وما يجدونه من أنفسهم بما يتلون في هذه السورة الشريفة ؟ ليعرفوا هل هم من قسم المصدقين أو المكذبين ؟ وليقلعوا عن الغرور برسم هذه الصلاة التي لا أثر لها إلا في ظواهر أعضائهم ، وبهذا الجوع الذي يسمونه صياما