أحمد مصطفى المراغي
25
تفسير المراغي
قلوب الكفار ، ذاك أنهم بعد أن عاينوا ما كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يذكره لهم ويشاهدونه في دنياهم ولم يؤمنوا به ، تضطرب نفوسهم ، مخافة أن يحل بهم ما أنذروا به ، كما هي حال من تهدده بعقوبة إن لم يقلع عن جرائره - يهلع قلبه إن شاهد بوادر التنفيذ . ( أَبْصارُها خاشِعَةٌ ) أي أبصار أصحابها خاشعة تظهر فيها الذلة والخوف . وقد حكى اللّه عنهم أقوالا ثلاثة استبعدوا بها أمر البعث ، واستهزءوا فيها بالرسول والمؤمنين . ( 1 ) ( يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ ؟ ) أي يقول هؤلاء المكذبون بالبعث من مشركي قريش إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت : أإنا لمردودون إلى حالنا الأولى قبل الممات ، فراجعون أحياء كما كنا قبل مماتنا . وتقول العرب لكل من كان في أمر ثم خرج منه ثم عاد إليه : قد رجع إلى حافرته : أي إلى أمره الذي كان فيه أوّلا . ( 2 ) ( أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً ؟ ) أي أنردّ إلى الحياة بعد أن نصير عظاما بالية لو لمست لتفتّت ؟ ( 3 ) و ( قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ) أي إن صح ما قلتم من البعث يوم القيامة بعد أن نصير عظاما نخرة ، فنحن إذا خاسرون ، لأنا كذبنا به ولم نأخذ العدّة له ، فيا ويلنا في هذا اليوم ! وهذا منهم استهزاء وتهكم ، اعتقادا منهم أن ذلك لن يكون . وقد ردّ اللّه عليهم مقالتهم بقوله : ( فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) أي لا تستبعدوا ذلك وتظنوه عسيرا شاقّا علينا ، فإنما هي صيحة واحدة ، وهي النفخة الثانية التي يبعث اللّه بها الموتى فإذا الناس كلهم على سطح الأرض أحياء .