أحمد مصطفى المراغي
239
تفسير المراغي
وبعد أن توعد من هذه صفاته بشديد العقاب ، وأردفه ذكر السبب الذي حمله على ارتكاب هذه الخلال للمقوتة ، من ظنه أن ماله يضمن له الأمان من الموت ، أعقبه بتفصيل ما أعدّ له من هذا العذاب المحتوم فقال : ( كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ) أي ازدجر أيها العيّاب عما خيل إليك من أن المال يخلدك ويبقيك ، بل الذي ينفع هو العلم وصالح العمل ، فإنك واللّه مطروح في النار لا محالة ، لا يؤبه لك ولا ينظر إليك . و أثر عن علىّ كرم اللّه وجهه من عظة له : يا كميل هلك خزّان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة . يريد أن خزان الأموال ممقوتون مكروهون عند الناس ، لأنهم لا ينالون منهم شيئا ، أما العلماء فالثناء عليهم مستمر ما بقي على الأرض إنسان ينتفع بعلمهم ، ويغترف من بحار فضلهم . ثم أخذ يهوّل أمر هذه النار ويعظم شأنها فقال : ( وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ) أي إن هذه الحطمة مما لا تحيط بها معرفتك ، ولا يقف على حقيقتها عقلك ، فلا يعلم شأنها ، ولا يقف على كنهها ، إلا من أعدها لمن يستحقها . ثم فسر هذه الحطمة بعد إبهامها فقال : ( نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ) أي إنها النار التي لا تنسب إلا إليه سبحانه ، إذ هو الذي أنشأها وأعدها لعقاب العصاة والمذنبين ، وفي وصفها بالموقدة إيماء إلى أنها لا تخمد أبدا بل هي ملتهبة التهابا لا يدرك حقيقته إلا من أوجدها . ثم وصفها بأوصاف تخالف نيران الدنيا ليؤكد مخالفتها لها فقال : ( 1 ) ( الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ) أي إنها تتغلب على الأفئدة وتقهرها ، فتدخل في الأجواف حتى تصل إلى الصدور ، فتأكل الأفئدة ، والقلب أشد أجزاء البدن تألما ، فإذا استولت عليه النار فأحرقته ، فقد بلغ العذاب بالإنسان غاية لا يقدرها قدرها .