أحمد مصطفى المراغي
230
تفسير المراغي
و في صحيح مسلم عن مطرّف عن أبيه قال : « أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ : ألهاكم التكاثر قال : يقول ابن آدم مالي ومالك ، يا ابن آدم ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدّقت فأمضيت ، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس » و روى عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان : ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب اللّه على من تاب » . قال الأستاذ الإمام : وقد يكون معنى التكاثر التغالب في الكثرة ، أي طلب كل واحد منهما أن يكون أكثر من الآخر مالا أو جاها ، والسعي إلى ذلك لمجرد المغالبة ، لا يبغي الساعي في سعيه إلا أن يكون ماله أكثر من مال الآخر ، أو أن يكون عضده أقوى من عضده ، لينال بذلك لذة التعلى والظهور بالقوة كما هو شأن الجمهور الغالب من طلاب الثروة والقوة ، ولا ينظر الدائب منهم في عمله إلى تلك الغاية الرفيعة غاية البذل مما يكسب في سبل الخير ، أو النهوض بالقوة إلى نصر الحق ، وحمل المبطلين على معرفته والتوجه إليه ، ثم المحافظة بعد ذلك عليه . وهذا معنى معقول ذهب إليه بعض المفسرين ، وهو يتفق كل الاتفاق مع ما يفهم من لفظ ( أَلْهاكُمُ ) فإن الذي يلهى الناس عن الحق في كل حال ، ويصرف وجوههم عنه إلى الباطل : هو طمع كل واحد منهم أن يكون أكثر من الآخر مالا أو عدد رجال ، ليعلو عليه ، أو ليستخدمه لسلطانه ، بقدر ما يدخل في إمكانه ، أما التفاخر بالأقوال فإنما يلهيهم في بعض الأحوال ا ه . ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ) أي حتى هلكتم وصرتم من الموتى ، فأضعتم أعماركم فيما لا يجدى فائدة ، ولا يعود عليكم بمائدة ، في حياتكم الباقية الخالدة . قال العلماء : إن زيارة القبور من أعظم الدواء للقلب القاسي ، لأنها تذكر بالموت والآخرة ، وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها ،