أحمد مصطفى المراغي
227
تفسير المراغي
( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) يقال ثقل ميزان فلان إذا كان له قدر ومنزلة رفيعة ، كأنه إذا وضع في ميزان كان له به رجحان ، وإنما يكون المقدار والقيمة لأهل الأعمال الصالحة ، والفضائل الراجحة ، فهؤلاء يجزون النعيم الدائم ويكونون في عيشة راضية ، تقرّ بها أعينهم ، وتسر بها نفوسهم . ويرى بعض المفسرين أن الذي يوزن هو الصحف التي تكتب فيها الحسنات والسيئات . ولما ذكر نعيم أهل الخير أردفه عقاب أهل الشر فقال : ( وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ) يقال خف ميزانه : أي سقطت قيمته فكأنه ليس بشيء حتى لو وضع في كفة ميزان لم يرجح بها على أختها ، ومن كان في الدنيا كثير الشر ، قليل فعل الخير ، فدسّى نفسه بالشرك واجتراح المعاصي وعاث في الأرض فسادا ، لم يكن شيئا ، فلا ترجح له كفة ميزان لو وضع فيها . وعلى الجملة فعلينا أن نؤمن بما ذكره اللّه من الميزان في هذه الآية وفي قوله : « وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ » ومن وزن الأعمال ، وتمييز مقدار لكل عمل ، وليس علينا أن نبحث وراء ذلك ، فلا نسأل كيف يزن ، ولا كيف يقدر ؟ فهو أعلم بغيبه ، ونحن لا نعلم . أما أن الميزان له لسان وكفّتان فهذان لم يرد به نص عن المعصوم يلزمنا التصديق به ، وكيف يوزن بهذا الميزان الذي تعلمه الإنسان في مهد البداوة الأولى ، ويترك ما هو أدق منه مما اخترع فيما بعد وهدى إليه الناس ، على أن جميع ما عمله البشر ، فهو ميزان للأثقال الجسمانية لا ميزان للمعاني المعقولة كالحسنات والسيئات ، فلنفوض أمر ذلك إلى عالم الغيب . والمراد من كون أمه هاوية - أن مرجعه الذي يأوى إليه مهواة سحيقة في جهنم يهوى فيها ، كما يأوى الولد إلى أمه ، قال أمية بن أبي الصلت : فالأرض معقلنا وكانت أمّنا * فيها مقابرنا وفيها نولد