أحمد مصطفى المراغي

33

تفسير المراغي

كانَ لِآياتِنا عَنِيداً . سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً . إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ » . وبعد أن ذكر قبائح أفعاله توعّده فقال : ( سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ) أي سنجعل له سمة وعلامة على أنفه ؛ والمراد أنا سنبين أمره بيانا واضحا حتى لا يخفى على أحد كما لا يخفى ذو السمة على الخرطوم . وفي هذا إذلال ومهانة له ، لأن السمة على الوجه شين ، فما بالك بها في أكرم موضع ، وهو الأنف الذي هو مكان العزّة والحميّة والأنفة ، ومن ثم قالوا : الأنف في الأنف ، وقالوا حمى أنفه ، وقالوا : هو شامخ العرنين ، وعلى عكسه قالوا في الذليل : جدع أنفه ، ورغم أنفه ، قال جرير : لمّا وضعت على الفرزدق ميسمى * وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل وفي التعبير بلفظ ( الخرطوم ) استخفاف به ، لأنه لا يستعمل إلا في الفيل والخنزير ، وفي استعمال أعضاء الحيوان للانسان كالمشفر للشفة ، والظّلف للقدم دلالة على التحقير كما لا يخفى . والخلاصة - سنذله في الدنيا غاية الإذلال ، ونجعله ممقوتا مذموما مشهورا بالشر ، ونسمه يوم القيامة على أنفه ، ليعرف بذلك كفره وانحطاط قدره . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 17 إلى 33 ] إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ( 17 ) وَلا يَسْتَثْنُونَ ( 18 ) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ ( 19 ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ( 20 ) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ( 21 ) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ( 22 ) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ ( 23 ) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ( 24 ) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ( 25 ) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ( 26 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 27 ) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ ( 28 ) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 29 ) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ( 30 ) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ( 31 ) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ( 32 ) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 33 )