أحمد مصطفى المراغي

16

تفسير المراغي

أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان قال : « كان صلى اللّه عليه وسلم يوم جمعة في الصّفّة وفي المكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس منهم ثابت بن قيس وقد سبقوا إلى المجالس ، فقاموا حيال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ، فرد النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم ، فلم يفسحوا لهم ، فشقّ ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال لبعض من حوله : قم يا فلان ، قم يا فلان ، فأقام نفرا بمقدار من قدم ، فشق ذلك عليهم ، وعرفت كراهيته في وجوههم ، وطعن المنافقون وقالوا : واللّه ما عدل على هؤلاء ، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه ، أقامهم وأجلس من أبطأ عنه فنزلت الآية » . وقال الحسن : كان الصحابة يتشاحون في مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب ، فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في الشهادة ، ومن الآية نعلم : ( 1 ) أن الصحابة كانوا يتنافسون في القرب من مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لسماع حديثه ، لما فيه من الخير العميم ، والفضل العظيم ، ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام : « ليليني منكم أولو الأحلام والنّهى » . ( 2 ) الأمر بالتفسح في المجالس وعدم التضامّ فيها متى وجد إلى ذلك سبيل ، لأن ذلك يدخل المحبة في القلوب ، والاشتراك في سماع أحكام الدين . ( 3 ) إن كل من وسع على عباد اللّه أبواب الخير والراحة ، وسع اللّه عليه خيرات الدنيا والآخرة . وعلى الجملة فالآية تشمل التوسع في إيصال جميع أنواع الخير إلى المسلم وإدخال السرور عليه ، ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام « لا يزال اللّه في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه » .