أحمد مصطفى المراغي
14
تفسير المراغي
ثم قال تعالى مؤدبا عباده المؤمنين ألا يكونوا مثل اليهود والمنافقين فقال : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ) أي إذا حدث منكم أيها المؤمنون تناج ومسارّة في أنديتكم وخلواتكم ، فلا تفعلوا كما يفعل أولئك الكفار من أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين . ( وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) أي وتناجوا بما هو خير واتقوا اللّه فيما تأتون وما تذرون ، فإليه تحشرون فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي أحصاها عليكم ، وسيجزيكم بها . ثم بين الباعث لهم على هذه النجوى والمزين لهم ذلك فقال : ( إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ ) أي إنما التناجي بالإثم والعدوان من وسوسة الشيطان وتزيينه . ثم ذكر السبب الذي حداه إلى ذلك فقال : ( لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي إنما فعل ذلك يسوء الذين آمنوا بإيهامهم أن ذلك في نكبة أصابتهم ، وليس الشيطان بضارّ المؤمنين شيئا إلا بإرادة اللّه ومشيئته . ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) أي إن ما يتناجى به المنافقون مما يحزن المؤمنين إن وقع ، فإنما يكون بإرادة اللّه ومشيئته ، فلا يكترثنّ المؤمنون بتناجيهم ، وليتوكلنّ على اللّه ولا يحزننّ . وقد وردت السنة بالنهى عن التناجي إذا كان في ذلك أذى لمؤمن . أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن ابن مسعود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه ، فإن ذلك يحزنه » .