أحمد مصطفى المراغي
10
تفسير المراغي
كما أن فيه وعيدا عظيما للملوك وأمراء السوء الذين وضعوا قوانين وشرائع وضعية غير ما شرع اللّه ، وألزموا رعاياهم العمل بها ، والجري على نهجها ، وعينوا لذلك قضاة يحكمون بها ، ونبذوا ما جاء في شرعهم ، واللّه يقول : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » . نعم إنه لا بأس بالقوانين السياسية إذا وقعت باتفاق ذوى الآراء من أهل الحلّ والعقد على وجه يكون به انتظام شمل الجماعات ، إذا كانت لا تخالف في أحكامها روح التشريع الديني كتعيين مراتب التأديب للزجر على المعاصي ، والجنايات التي لم ينص الشارع فيها على حد معين ، بل فوض الأمر فيها للإمام ، وليس في ذلك محادة للّه ورسوله ، بل فيها استيفاء لحق اللّه على الوجه الأكمل . ( وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ) أي وكيف يفعلون ذلك وقد أقمنا دلائل واضحات تبين معالم الشريعة وتوضح حدودها ، وتفصل أحكامها ؛ وتبين سرّ تشريعها ؟ فلا عذر لهم في مخالفتها ، والانحراف عن سننها . ( وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ) أي وللجاحدين بتلك الآيات عذاب يذهب بعزهم وكبريائهم . والخلاصة - إن لهؤلاء المحادين عذابا في الدنيا بالخزي والهوان ، وعذابا في الآخرة في جهنم وبئس القرار . ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا ، أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) أي واذكر لهم أيها الرسول حالهم يوم يجمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد ، فيخبرهم بما كسبت أيديهم تشهيرا لهم وخزيا على رؤوس الأشهاد ، واللّه قد حفظه وضبطه وهم قد نسوه ، واللّه شهيد على كل شئ ، فلا يغيب عنه شئ ، ولا ينسى شيئا . وفي هذا شديد الوعيد والتقريع العظيم والتنديم ، ليعرفوا أن ما حاق بهم من العذاب ، إنما كان من جراء أعمالهم وقبيح أفعالهم .