أحمد مصطفى المراغي

23

تفسير المراغي

وقوله في جنات ونعيم لبيان أن حالهم كحال من يتمتع بالبستان ، وكالناطور الذي يحرسه وقوله : فاكهين ؛ إشارة إلى أن قلوبهم لا يشغلها همّ ولا نصب ، بل هم في لذة ، وسرور ، وفرح وحبور . ثم ذكر أنهم تمتعوا بنعمة أخرى قبل هذه فقال : ( وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ) أي وقد نجاهم ربهم من عذاب النار ، فلم يمسسهم لظاها ، ولم يحسوا بأذاها ، فهم قد لابسوا النعم ، وجانبوا النقم ، وذلك هو الفوز العظيم والنعيم المقيم . ثم ذكر أنه يقال لهم حينئذ : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي كلوا مما رزقكم ربكم من الطيبات ، واشربوا مما لذ وطاب ، هنيئا : أي لا تخافون أذى ولا غائلة كما تشاهدون مثل ذلك في طعام الدنيا وشرابها ، كفاء ما قدمتم من صالح الأعمال ، وآثرتم من تعب الدنيا لراحة الآخرة . قيل للربيع بن خيثم وقد صلّى طوال الليل : أتبعت نفسك ، فقال : راحتها أطلب . ونحو الآية قوله تعالى : « كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ » . وفي قوله ( هنيئا ) إشارة إلى خلوّ المآكل والمشارب مما ينغصهما ، فإن الآكل قد يخاف المرض فلا يهنأ له الطعام ، أو يخاف النفاد فيحرص عليه ، أو يتعب في تحصيله وتهيئته بالطبخ والإنضاج ، ولا يكون شئ من هذا في الآخرة . وفي قوله ( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) إيماء إلى أن هذا إنجاز لما وعدهم ربهم به في الدنيا ، فلا منّ عليهم فيه ، بل كان المن عليهم في الدنيا ، بهدايتهم للإيمان ، وتوفيقهم لصالح الأعمال كما قال : « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ » . ثم ذكر ما يتمتعون به من الفرش فقال :