أحمد مصطفى المراغي

13

تفسير المراغي

( أَ تَواصَوْا بِهِ ؟ ) أي أأوصى أولهم آخرهم بتكذيب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقبلوا ذلك منهم ؟ ثم عدل عن أنّ الذي جمعهم على هذا القول هو التواصي ، إلى أن الذي جمعهم على ذلك هو الطغيان فقال : ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ) أي بل الذي جمعهم على ذلك هو الطغيان وتجاوز حدود الدين والعقل ، فقال متأخرهم مثل مقالة متقدمهم . ثم سلى رسوله بقوله : ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ) أي فأعرض عنهم أيها الرسول ، ولا تأسف على تخلفهم عن الإسلام فإنك لم تأل جهدا في الدعوة ، وهم ما زادوا إلا عتوا واستكبارا ، وطغيانا وإعراضا . ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) أي دم على العظة والنصح ، فإن الذكرى تنفع من في قلوبهم استعداد للهداية والرشاد . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي وجماعة من طريق مجاهد عن علي كرم اللّه وجهه قال : لما نزلت « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ » لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة ، إذ أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتولى عنا ، فنزلت « وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » فطابت أنفسنا . وبعد أن بين حالهم في التكذيب ذكر سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الذي خلقهم للعبادة بقوله : ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) أي وما خلقتهم إلا ليعرفوني ، إذ لولا خلقهم لم يعرفوا وجودي ولا توحيدي ، يرشد إلى ذلك ما جاء في الحديث القدسي « كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف ، فخلقت الخلق فبي عرفوني » قاله مجاهد ، وروى عنه أيضا أن المعنى : إلا لآمرهم وأنهاهم ، ويدل عليه قوله : « وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » واختاره الزجاج ،