أحمد مصطفى المراغي
10
تفسير المراغي
وفي الآية إشارة إلى أن دحو الأرض كان بعد خلق السماء ، لأن بناء البيت يكون قبل الفرش ، وهذا ما يثبته العلم الحديث الآن ، وقد تقدم ذكر ذلك غير مرة . ثم مدح سبحانه نفسه على ما صنع فقال : ( فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ) أي فنعم ما فعلنا ، وما أجمل ما خلقنا ، مما فيه عظة لمن يتذكر ويتدبر . ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أي وإنا خلقنا لكل ما خلقنا من الخلق ثانيا له ، مخالفا له في مبناه والمراد منه ، وكل منهما زوج للآخر ، فخلقنا السعادة والشقاوة ، والهدى والضلال ، والليل والنهار ، والسماء والأرض ، والسواد والبياض - لتتذكروا وتعتبروا فتعلموا أن اللّه ربكم الذي ينبغي لكم أن تعبدوه وحده لا شريك له - هو الذي يقدر على خلق الشيء وخلافه ، وابتداع زوجين من كل شئ لا ما لا يقدر على ذلك . ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ) أي فالجئوا إلى اللّه واعتمدوا عليه في جميع أموركم ، واتبعوا أوامره ، واعملوا على طاعته ، ثم علل الأمر بالفرار إليه بقوله : ( إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) أي إني لكم نذير من اللّه أنذركم عقابه ، وأخوّفكم عذابه الذي أحله بهؤلاء الأمم التي قص عليكم قصصها ، وإني مبيّن لكم ما يجب عليكم أن تحذروه . ثم ذكر أعظم ما يجب أن يفر المرء منه ، وهو الشرك فقال : ( وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ) أي ولا تجعلوا مع معبودكم الذي خلقكم معبودا آخر سواه ، فإن العبادة لا تصلح لغيره . ثم علل هذا النهى بقوله : ( إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) أي إني لكم نذير ومخوف من عقابه على عبادتكم غيره .