أحمد مصطفى المراغي

15

تفسير المراغي

والإقبال على الآخرة ، وأن من فاز بها فقد حازها بحذافيرها ، ومن حرمها فما له فيها من خلاق ، ولم يعلموا أن اللّه يختص برحمته من يشاء ويصطفى لدينه من يشاء . وعن قتادة : قال ناس من المشركين نحن أعز ونحن ونحن فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان فنزلت هذه الآية . وروى أنه لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأشجع وأسد : لو كان هذا خيرا ما سبقتنا إليه رعاء البهم والشاء . فأجابهم اللّه عن هذا بقولهم : ( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ) اى وقد ظهر عنادهم واستكبارهم إذ لم يهتدوا به ، وسيقولون الفينة بعد الفينة والحين بعد الحين : هذا كذب مأثور عن الأقدمين ، انتقاصا له ولأهله ، واستكبارا عن اتباع الحق . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « الكبر بطر الحق وغمص ( احتقار ) الناس » . ونحو الآية قوله تعالى حكاية عنهم : « وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » . ثم رد عليهم طعنهم في القرآن وأثبت صحته فقال : ( وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ) أي ومما يدل على صحة القرآن أنكم لا تنازعون في أن اللّه أنزل التوراة على موسى وجعلها إماما لبنى إسرائيل ورحمة لهم ، وهي قد اشتملت على البشارة بمقدم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فلا بد أن يكون محمد صادقا في رسالته ، وأن يكون القرآن من عند اللّه ، وقد جاء بلسان عربى لينذر الذين ظلموا أنفسهم وهم مشركو مكة وهو بشرى لمن أحسن عملا . والخلاصة - كيف يكون إفكا قديما وهو مصدق لكتاب موسى الذي تعترفون