أحمد مصطفى المراغي

21

تفسير المراغي

وقد يكون المعنى - إن حكمه مردود إلى كتاب اللّه ، فقد اشتمل على الحكم بين عباده فيما فيه يختلفون ، فالآية عامة في كل اختلاف يتعلق بأمر الدين وأنه مردود إلى كتاب اللّه . ونحو الآية قوله : « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ » . وقد حكم سبحانه في كتابه ، بأن الدين هو الإسلام ، وأن القرآن حق ، وأن المؤمنين في الجنة والكافرين في النار ، ولكن لما كان الكفار لا يذعنون بأن ذلك حق إلا في الدار الآخرة وعدهم بذلك يوم القيامة . ثم أمره أن يقول لهم : ( ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) أي ذلكم الموصوف بهذه الصفات ، من الإحياء والإماتة ، والحكم بين المختلفين ، هو ربى وحده ، لا آلهتكم التي تدعون من دونه ، عليه توكلت في دفع كيد الأعداء وفي جميع شئونى ، وإليه أرجع في كل المهمات ، وإليه أتوب من الذنوب . وفي هذا تعريض لهم بأن ما هم عليه من اتخاذ غير اللّه وليّا لا يجديهم نفعا ، ولا يدفع عنهم ضرا ، فالأجدر بهم أن يقلعوا عنه ، إذ من شأن العاقل ألا يفعل إلا ما يفيده في دين أو دنيا . ثم بين الأسباب التي تحمله على أن يلتجئ إليه وتجعله الحقيق بذلك فقال : ( فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي إنه الجدير بأن يعتمد عليه ، ويستعان به ، لأنه خالق العوالم جميعها ، علويها وسفليها ، على عظمتها التي ترونها ، لا آلهتكم التي لا تستطيع أن تخلق شيئا . ثم بين بعض ما خلقه وأنعم به فقال : ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) أي ومن حكمته لبقاء العمران في هذه الحياة إلى الأجل الذي حدده في علمه - أن خلق لكم