أحمد مصطفى المراغي

72

تفسير المراغي

موسى موجودا لكان له محل ، ومحله إما الأرض وإما السماء ، ولم نره في الأرض ، فإذا هو في السماء ، والسماء لا يتوصل إليها إلا بسلم ، فيجب أن نبنى الصرح لنصل إليه . ثم بين السبب الذي دعاه إلى ما صنع فقال : ( وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) أي وهكذا زين الشيطان لفرعون هذا العمل السيّئ ، فانهمك في غيّه ، واستمر في طغيانه ، ولم يرعو بحال ، وصدّ عن سبيل الرشاد بأمثال هذه التمويهات والشبهات ، وما كان ذلك إلا لسوء استعداده وتدسيته نفسه والسير بها قدما في شهواتها دون أن يكون لها وازع يصدها عن غيها ، ويثوب بها إلى رشدها . والنفس كالطفل إن تهمله شب على * حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم ثم ذكر عاقبة مكره وتدليسه وأنه ذاهب سدى وأن اللّه ناصر أولياءه ، ومهلك أعداءه و « مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » وإلى هذا أشار بقوله : ( وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ ) أي وما احتياله الذي يحتال به ليطّلع على إله موسى إلا في خسار وذهاب مال ، لأنها نفقة تذهب باطلا سدى دون أن يصل إلى شئ مما أراده من القضاء على دعوة موسى ، فالنصر في العاقبة له « وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » * . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 38 إلى 46 ] وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 38 ) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( 39 ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 43 ) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ( 46 )