أحمد مصطفى المراغي
54
تفسير المراغي
( 3 ) ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) أي يلقى الوحي بفضائه على من يشاء من عباده الذين يصطفيهم لرسالته ، وتبليغ أحكامه إلى من يريد من خلقه . ونحو الآية قوله : « يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ » وقوله : « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ » . ( لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ . يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ ) أي لينذر بالعذاب يوم يلتقى العابدون والمعبودون ، يوم هم ظاهرون لا يكنّهم شئ ، ولا يسترهم شئ . ( لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) فيعلم ما فعله كل منهم ، فيجازيه بحسب ما قدمت يداه ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر . ونحو الآية قوله : « يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ » . ثم ذكر ما يقال عند بروز الخلق للحساب والجزاء فقال : ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) أي يقول الرب تعالى : لمن الملك اليوم ؟ فلا يجيبه أحد ، فيجيب سبحانه فيقول : للّه الواحد القهار أي هو الواحد الذي لا مثل له ، القهار لكل شئ سواه بقدرته ، الغالب بعزته . وقيل : المجيب هم أهل المحشر ، فقد روى أبو وائل عن ابن مسعود قال : يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص اللّه عزّ وجل عليها ، فيؤمر مناد ينادى ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ ) فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم ( لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) يقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا ، ويقوله الكافرون غمّا وانقيادا وخضوعا . وبعد أن ذكر صفات قهره في ذلك اليوم - أردفها بيان صفات عدله وفضله فقال : ( الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) أي اليوم يثاب كل عامل بعمله ، فيلاقى أجره ، ففاعل الخير يجزى الخير وفاعل الشر يجزى بما يستحق ، لا يبخس أحد