أحمد مصطفى المراغي

135

تفسير المراغي

والشمس ونورها ، والقمر وضياؤه ، وتقدير منازلهما في فلكيهما ، واختلاف سيرهما في السماء ، ليعرف بذلك مقادير الليل والنهار والأسابيع والشهور والأعوام ، وبذلك تضبط المعاملات وأوقات العبادات . ولما كانت الشمس والقمر من أجلّ الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلى نبه إلى أنهما مخلوقان مسخران له تعالى وهما تحت قهره وسلطانه ، فلا تعظموهما وعظموا خالقهما فقال : ( لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) أي لا تسجدوا أيها الناس للشمس والقمر ، فإنهما إنما يجريان بمنافعكم بإجراء اللّه إياهما طائعين له في جريهما وهما لا يستطيعان لكم نفعا ولا ضرا ، فله فاسجدوا ، وإياه فاعبدوا دونهما ، لأنهما لا فضيلة لهما في أنفسهما ، فيستحقا بها العبادة من دون اللّه ، ولو شاء اللّه لأعدمهما أو طمس نورهما . وفي هذا رد على الصابئة الذين عبدوا الكواكب والنجوم ، وزعموا أنهم بعبادتهم إياها يعبدون اللّه ، فنهوا عن ذلك . ( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) أي فإن استكبر هؤلاء المشركون الذين يعبدون هذه الكواكب وأبوا إلا أن يسجدوا لها وحدها دون اللّه - فاللّه لا يعبأ بهم ، فالملائكة الذين في حضرة قدسه وهم خير منهم لا يستكبرون عن عبادته ، بل يسبحون له ويصلون ليلا ونهارا ، وهم لا يفترون عن ذلك ولا يملّون . ولما ذكر الدلائل الفلكية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال : ( وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ) أي ومن الدلائل على قدرته تعالى على البعث ، وإحياء الموتى بعد بلاها ، وإعادتها لهيئتها كما كانت من بعد فنائها - أنك ترى الأرض يابسة غبراء لا نبات بها ولا زرع ،