أحمد مصطفى المراغي

105

تفسير المراغي

ومبادئ للسور وخواتم لها ، وميزت معنى بكونها وعدا ووعيدا ، ومواعظ ونصائح وتهذيب أخلاق ورياضة نفس ، وقصص الأولين ، وتواريخ الماضين . ونحو الآية قوله : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » . ( قُرْآناً عَرَبِيًّا ) أي أنزلناه بلغة العرب ، ليسهل عليهم فهمه كما قال : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ » . وفي هذا امتنان من اللّه عليهم ، ليسهل عليهم قراءته وفهمه . ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) معانيه ، لكونه جاء بلسانهم ، فهم أهل اللسان فيفهمونه بلا واسطة ، وغيرهم لا يفهمه إلا بوساطتهم . ( بَشِيراً وَنَذِيراً ) أي بشيرا لأوليائه بالجنة والنعيم المقيم إن داوموا على العمل بما فيه من أوامر ونواه ، ونذيرا لأعدائه بالعذاب الأليم إن هم أصروا على التكذيب به والجدل فيه بالباطل وترك أوامره وفعل نواهيه . ثم بين حال المشركين حين أنزل إليهم فقال : ( فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) أي فاستكبر أكثر المشركين عن الإصغاء إليه ، ولم يقبلوه ولم يطيعوا ما فيه من أوامر ونواه ، إعراضا عن الحق . ثم صرحوا بنفرتهم منه ، وتباعدهم عنه ، وذكروا لذلك ثلاثة أسباب ، تعللا واحتقارا لدعوته : ( 1 ) ( وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ) أي إن قلوبنا في أغطية متكاثفة مما تدعونا إليه من الإيمان باللّه وحده وترك ما ألفينا عليه آباءنا ، فهي لا تفقه ما تقول من التوحيد ، ولا يصل إليها قولك . ( 2 ) ( وَفِي آذانِنا وَقْرٌ ) أي وفي آذاننا صمم يمنعها من استماع قولك . ( 3 ) ( وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ) أي ومن بيننا وبينك ستر يمنعنا عن إجابتك . روى أن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال : يا محمد بيننا وبينك حجاب استهزاء منه .