أحمد مصطفى المراغي
5
تفسير المراغي
ويقول أبو العلاء : وكالنار الحياة فمن رماد * أواخرها وأولها دخان ولم يذكر لنا الكتاب الكريم ، كيف كانت الصيحة ، ولا كيف نزل بهم العذاب ، وتفصيل ذلك لا يعنينا ، فالعبرة تحصل بدون بيانه ، إذ المراد انتقام اللّه وعذابه لمن كذب أولياءه ، على أي نحو كان ذلك العذاب . وفي هذا ما لا يخفى من تهوين أمرهم ، وتحقير شأنهم ، وتفخيم شأن رسل اللّه . ( يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ) المراد بالعباد هنا مكذّبو الرسل ، أي يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب على تكذيبهم رسل اللّه ومخالفة أوامره . ثم بين سبب الحسرة والندامة فقال : ( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) أي ما جاءهم رسول إلا استهزءوا به وكذبوه ، وجحدوا ما أرسل به من الحق . والخلاصة : إن المستهزئين بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين ، جديرون أن يتحسروا على أنفسهم ، إذ فوّتوا عليها السعادة الأبدية ، وعرّضوها لعذاب مقيم ، وكأنه قيل : يا حسرة احضرى ، فهذه شدة لا سبيل للخلاص منها . ولما بين حال الأولين نبه الحاضرين فقال : ( أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ؟ ) أي ألم يعتبروا بمن أهلك اللّه قبلهم من المكذبين للرسل كعاد وثمود ، وأنهم لا رجعة لهم إلى الدنيا كما يعتقد الدّهريّة ، جهلا منهم بأنهم يعودون إليها كما كانوا . وبعد أن ذكر أنه أهلكهم وبين طريق ذلك ، أعقب هذا بأن لهم حسابا وعقابا فقال : ( وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ) أي وإن جميع الأمم ماضيها وحاضرها