أحمد مصطفى المراغي

30

تفسير المراغي

الإيضاح ( وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ) الشعر : ضرب من ضروب الكلام ذو وزن خاص ينتهى كل بيت منه بحرف خاص يسمى قافية ، وهو يسير مع العواطف والأهواء ، ولا يتبع ما يمليه العقل والمنطق الصحيح ؛ ومن ثم كان مستقر الأكاذيب والمبالغات في الأهاجى والمدائح والتفاخر والتنافر ، فإذا غضب الشاعر أقذع في القول ، وبالغ في الذم ، وضرب بالحقيقة عرض الحائط ، ولا يرى في ذلك ضيرا ، وإذا هو استرضى بعد قليل رفع من هجاه إلى السمّاكين ، وأدخله في زمرة العظماء الشجعان ، أو الكرماء الأجواد إلى نحو هذا مما تراه في شعر الهجائين المداحين حتى لقد بلغ الأمر بهم أن قالوا : ( أعذب الشعر أكذبه ) . والقرآن الكريم آداب وأخلاق ، وحكم وأحكام ، وتشريع فيه سعادة البشر في دنياهم وآخرتهم ، فرادى وجماعات ، فحاشى أن يكون شعرا ! أو أن يمت إليه بنسب . فالمراد من نفى تعليمه الشعر نفى أن يكون القرآن شعرا ، لأن اللّه علمه القرآن وإذا لم يكن المعلّم شاعرا لم يكن القرآن شعرا البتة . وهذا رد لقولهم : إن القرآن شعر ، وإن محمدا شاعر ، ومقصدهم بهذا أنه افتراء وتخيلات وأباطيل ، وليس وحيا من عند اللّه . ( وَما يَنْبَغِي لَهُ ) أي ولا يليق به الشعر ولا يصلح له ، لأنه مبنى كما علمت على الركون إلى الأهواء تبعا لفائدة ترجى ، أو شفاء للنفس من ضغائن الصدور ، أو كبتا لسورة حقد أو حسد بحق أو باطل ، والشرائع والأحكام تنزه عن مثل هذا . وما اتفق له عليه الصلاة والسلام دون قصد من نحو قوله يوم حنين وهو راكب بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحرث آخذ بزمامها : أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب