أحمد مصطفى المراغي

28

تفسير المراغي

وإذا كان المرء في دار الدنيا المملوءة أكاذيب ونفاقا يخجل فيحمرّ وجهه ، ويوجل فيصفرّ وجهه ويتخذ القضاة من ذلك أدلة على إدانة المتهم . كما نقصّ آثار أقدام اللصوص والجناة ونتبعهم في السهل والجبل حتى إذا عثرنا عليهم قدمناهم للقضاء بشهادة هذه الآثار التي لا اشتباه فيها ، كذلك نختم بأصابع المجرمين على الورق ( البصمة ) فلا تشاكل يد يدا ، مما يجعل لذلك أجلّ قيمة في خدمة العدالة . وإذا كان هذا في عالمنا الجسماني فما بالك بعالم الأرواح التي يكون فيها لكل ذنب أو عمل حسن أثر في النفوس يولد فيها الخير أو الشر ، حتى إذا انفصلت الأرواح من الأجساد ظهر ما انطبع فيها من خير أو شر ؟ وإلى هذا يشير قوله تعالى ذاكرا حال الحساب يوم القيامة : « اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً » فالنفس إذا هي الكتاب الذي لا غش فيه ولا كذب ، فإذا صمت اللسان نطقت الجوارح كما ننطق آثارها اليوم ، أي تدل على المراد أفصح دلالة ، وترشد إلى المقصود أيما إرشاد ، وهذا هو الذي ينبغي أن يفهم في الآية الكريمة . ثم بين سبحانه أنه قادر على إذهاب الأبصار ، كما هو قادر على إذهاب البصائر فقال : ( وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) أي ولو نشاء لعاقبناهم على كفرهم ، فطمسنا على أعينهم ، فصيرناهم عميا لا يبصرون طريقا ، ولا يهتدون إلى شئ . وإجمال المراد : لو شئنا لأذهبنا أحداقهم ، فلو أرادوا الاستباق وسلوك الطريق الذي اعتادوا سلوكه لم يستطيعوا ذلك . ثم زاد في تهديدهم وتوبيخهم وبيان أنه قادر على منعهم من الحركة فقال : ( وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ) أي ولو أردنا لحوّلناهم عن تلك الحال إلى ما هو أقبح منها ، فجعلناهم قردة وخنازير وهم