أحمد مصطفى المراغي
25
تفسير المراغي
روى ابن جرير عن أبي رزين قال : « لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن ، فقلن : يا رسول اللّه اجعل لنا من مالك ، ومن نفسك ما شئت ، ودعنا كما نحن ؛ فنزلت هذه الآية ، فأرجأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعضهن ، وآوى إليه بعضهن وكان ممن آوى إليه عائشة ، وحفصة ، وزينب ، وأم سلمة ، وكان يقسم بينهن سواء ، وأرجأ منهن خمسا : أم حبيبة ، وميمونة ، وسودة ، وصفية ، وجويرية ، فكان لا يقسم بينهن ما شاء » . ثم بين السبب في الإيواء والإرجاء ، وأنه كان ذلك في مصلحتهن ، فقال : ( ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ) أي إنهن إذا علمن أن اللّه قد وضع عنك الحرج في القسم ، فإن شئت قسمت ، وإن شئت لم تقسم لا جناح عليك في أىّ ذلك فعلت ، وأنت مع هذا تقسم لهن اختيارا منك لا وجوبا عليك - فرحن بذلك ، واستبشرن به ، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن ، وتسويتك بينهن ، وإنصافك لهن ، وعدلك بينهن . ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ ) من الميل إلى بعضهن دون بعض مما لا يمكن دفعه ، ومن الرضا بما دبر له في حقهن من تفويض الأمر إليه صلى اللّه عليه وسلم . روى أحمد عن عبد اللّه بن يزيد عن عائشة قالت : كان رسول اللّه يقسم بين نسائه فيعدل ، ثم يقول : « اللهم هذا فعلى فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » يعنى القلب ، وزيادة الحب لبعض دون بعض . وفي هذا حث على تحسين ما في القلوب ، ووعيد لمن لم يرض منهن بما دبر اللّه له من ذلك ، وفوضه إلى مشيئته ، وبعث على تواطؤ قلوبهن ، والتصافي بينهن ، والتوافق على رضا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ( وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ) أي وكان اللّه عليما بالسرائر ، حليما فلا يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة ، ليتوب منهم من شاء له أن يتوب ، وينيب من ذنوبه من ينيب .