أحمد مصطفى المراغي
23
تفسير المراغي
ولما استنارت الحجة ، وظهر الدليل ، ولم يكن لهم فيه مقنع ، بين أنهم قوم ظلمة مفترون ، وضعوا الأمور في غير مواضعها بكذبهم على اللّه ، فقال : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ ) أي ومن أظلم ممن كذبوا على اللّه ، بأن زعموا أن له شريكا ، وأنهم إذا فعلوا فاحشة قالوا : إن اللّه أمرنا بها ، واللّه لا يأمر بالفحشاء ، وكذبوا بالكتاب حين مجيئه ، دون أن يتأملوا فيه أو يتوقفوا ، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه . وفي هذا من تسفيه آرائهم ، وتقبيح طرائقهم ما لا يخفى ثم بين سوء مغبة أعمالهم بطريق الاستفهام التقريرى ، وهو أبلغ في إثبات المطلوب ، فقال : ( أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ؟ ) أي ألا يستوجب هؤلاء الكافرون من أهل مكة الثّواء في جهنم ، فقد افتروا على اللّه الكذب ، فكذبوا بالكتاب لما جاءهم بلا تريّث ولا تلبث ؟ . والخلاصة : إن مثوى هؤلاء وأشباههم جهنم وبئس المصير . وبعد أن بين عاقبة أولئك الكافرين ذكر عاقبة المؤمنين الذين اهتدوا يهدى اللّه وجاهدوا في سبيله ، فقال : ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) أي والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على اللّه الكذب ، المكذبين لما جاءهم به رسوله ، مبتغين بقتالهم علوّ كلمتنا ، ونصرة ديننا ، لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير ، وتوفيقا لسلوكها كما قال : « وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ » وجاء في الحديث : « من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » ، وقال عمر بن عبد العزيز : إنما قصّر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا ، ولو عملنا ببعض ما علمنا لاورثنا علما لا تقوم به أبداننا . وقال أبو سليمان الداراني : ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط ، بل هو نصر الدين ، والرد على المبطلين ، وقمع