أحمد مصطفى المراغي
14
تفسير المراغي
ولما كانت مفارقة الأوطان عزيزة على النفس كريهة لديها ، بين لهم أن المكروه واقع لا محالة إن لم يكن بالهجرة فهو حاصل بالموت ، فأولى بكم أن يكون ذلك في سبيل اللّه لتنالوا جزاءه ومرجعكم إلى ربكم ، وحينئذ تنالون من النعيم المقيم ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فهنالك الغرف التي تجرى من تحتها الأنهار ، ونعم هذا الأجر جزاء للعاملين الصابرين المتوكلين على ربهم ، الذين يعلمون أن اللّه قد تكفل بأرزاقهم ، كما تكفل بأرزاق جميع مخلوقاته ، وهو السميع لدعائهم ، العليم بحاجتهم . روى أن الآية نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة ، وقالوا : نخشى إن نحن هاجرنا عن الجوع وضيق المعيشة . الإيضاح ( يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) أي يا عبادي الذين وحّدونى وآمنوا بي وبرسولي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، إنّ أرضى لم تضق عليكم فتقيموا منها بموضع لا يحل لكم المقام فيه ، فإذا انتشرت في موضع ما معاصي اللّه ، ولم تقدروا على تغييرها ، فاهربوا منه إلى موضع آخر تتمكنون من القيام فيه بشعائر دينكم . روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « البلاد بلاد اللّه ، والعباد عباد اللّه ، فحيثما أصبت خيرا فأقم » ومن ثم لما ضاق على المستضعفين مقامهم بمكة خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك ، فوجدوا خير المنزلين لدى أصحمة النجاشي ملك الحبشة ، فآواهم وأيدهم بنصره ، وأنزلهم ضيوفا مكرمين ببلاده ، ثم هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والصحابة الباقون إلى المدينة . والخلاصة : إن اللّه أمر المؤمنين بالهجرة إن لم يتسنّ لهم إقامة شعائر دينهم ، إلى أرض يستطيعون ذلك فيها .