أحمد مصطفى المراغي
94
تفسير المراغي
وأثر عن بعضهم أنه قال : لا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن إليها ، أما من يعلم أنه سيفارقها عن قريب فلا يفرح بها ، وما أحسن ما قال المتنبي : أشدّ الغم عندي في سرور * تيقّن عنه صاحبه انتقالا وأحسن منه وأوجز قوله سبحانه : « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » . ثم نصحوه بعدة نصائح فقالوا : ( 1 ) ( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ) أي واستعمل ما وهبك اللّه من هذا المال الجزيل ، والنعمة الطائلة في طاعة ربك ، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة ، وفي الحديث : « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك » . ( 2 ) ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ) أي ولا تترك حظك من لذات الدنيا في مآكلها ، ومشاربها وملابسها ؛ فإن لربك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، وروى عن ابن عمر : « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا » وعن الحسن : « قدّم الفضل وأمسك ما يبلّغ » . ( 3 ) ( وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) أي وأحسن إلى خلقه ، كما أحسن هو إليك فيما أنعم به عليك ، فأعن خلقه بمالك وجاهك ، وطلاقة وجهك ، وحسن لقائهم ، والثناء عليهم في غيبتهم . ( 4 ) ( وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ ) أي ولا تصرف همتك ، بما أنت فيه إلى الفساد في الأرض ، والإساءة إلى خلق اللّه . ثم أتبعوا هذه المواعظ بعلتها فقالوا : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) أي إن اللّه لا يكرم المفسدين ، بل يهينهم ويبعدهم من حظيرة قربه ، ونيل مودته ورحمته .