أحمد مصطفى المراغي
60
تفسير المراغي
المعنى الجملي بعد أن رغّب موسى فرعون وقومه في التوحيد والنظر في الكون تارة ، ورهّبهم من عذاب اللّه وشديد نكاله تارة أخرى - أجابه فرعون بتلك المقالة التي تدل على الجهل المطبق ، ونقصان العقل ، وأنه بلغ غاية لا حدّ لها في الإنكار وأنه لا مطمع في إيمانه ، لعتوّه وطغيانه واستكباره في الأرض حتى قال ما قال ، ومن ثم كانت عاقبته في الدنيا الهلاك بالغرق هو وجنوده واللعن من اللّه والناس ، وفي الآخرة الطرد من رحمة اللّه . ثم أخبر سبحانه أنه آتى موسى التوراة ، وجعلها نورا للناس يهتدون بها ، وتكون لهم تذكرة من عقاب اللّه ، وشديد عذابه . الإيضاح ( وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ) أي وقال فرعون يا أيها القوم ما علمت لكم في أي زمن إلها غيرى كما يدّعى موسى ، والأمر محتمل أن يكون ، وسأحقق ذلك لكم ، وهذا كلام ظاهره الإنصاف ، ليتوصل بذلك إلى قبولهم ما يقول لهم بعد ذلك في شأن الإله وتسليمهم إياه ، اعتمادا على ما رأوا من عظيم نصفته في القول . أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كلمتان قالهما فرعون ( ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ) وقوله : « أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » كان بينهما أربعون عاما ، فأخذه اللّه نكال الآخرة والأولى » . وخلاصة مقاله - لا علم لي برب غيرى فتعبدوه ، وتصدقوا قول موسى فيما جاءكم به ، من أن لكم وله ربا غيرى ، ومعبودا سواي . ونحو الآية قوله : « فَحَشَرَ فَنادى . فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى » وقوله « لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ »