أحمد مصطفى المراغي
55
تفسير المراغي
( وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ) أي ونودي بأن ألق عصاك فألقاها فصارت حية تسعى ؛ فلما رآها تتحرك وتضطرب كأنها جان من الحيات ، لسرعة عدوها وخفة حركتها - ولّى هاربا منها ولم يرجع . ثم نودي بما يهدئ زوعه : ( يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ) أي يا موسى أقبل إلىّ ولا تخف مما تهرب منه ، فإنك آمن من أن ينالك سوء ، إنما هي عصاك أردنا أن نريك فيها آية كبرى ، لتكون عونك لدى الطاغية الجبار فرعون ملك مصر . ثم أراه آية أخرى زيادة في طمأنينته ، وأمره بقوله : ( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) أي أدخل يدك في جيب قميصك تخرج ولها شعاع يضئ من غير عيب ولا برص . ولما اعترى موسى الخوف من العصا تارة ، ومن الدهشة بشعاع يده مرة أخرى ، أمره ربه أن يضع يده على صدره ليزول ما به من الخوف فقال : ( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ) أي وضع يدك على صدرك يذهب ما بك من خوف ، كما يشاهد من حال الطائر ، إذا خاف نشر جناحيه ، وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه ، وكان موسى يرتعد خوفا إما من آل فرعون وإما من الثعبان . قال ابن عباس : كل خائف إذا وضع يده على صدره زال خوفه . ثم ذكر فذلكة لما تقدم فقال : ( فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ) أي فما تقدم من جعل العصا حية تسعى وخروج اليد بيضاء من غير سوء بعد وضع اليد في الجيب - دليلان واضحان على قدرة ربك ، وصحة نبوة من جريا على يديه ، أرسلناهما إلى فرعون وقومه . ثم ذكر العلة له في إظهار الآيات لهم بقوله : ( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) أي إنهم كانوا قوما خارجين عن طاعة اللّه ، مخالفين