أحمد مصطفى المراغي
24
تفسير المراغي
وبعد أن ذكر الحشر الخاصّ وأقام الدليل عليه - ذكر الحشر العام فقال : ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ) أي واذكر أيها الرسول لهم هول يوم النفخ في الصور ، إذ يفزع من في السماوات ومن في الأرض ، لما يعتريهم من الرعب حين البعث والنشور ، بمشاهدة الأهوال الخارقة لعادة في الأنفس والآفاق ، إلا من ثبّت اللّه قلبه . ويرى أكثر أهل العلم أن هناك نفختين ، نفخة الفزع المذكورة في هذه الآية وهي نفخة الصعق المذكورة في قوله تعالى : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ » لأن كلا الأمرين الفزع والخوف ، والصعق وهو الموت يحصلان بها ، ونفخة البعث المذكورة في قوله تعالى : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ » . ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ) أي وكل هؤلاء الفزعين المبعوثين ، حين النفخة يحضرون الموقف بين يدي رب العزة للسؤال والجواب ، والمناقشة والحساب ، أذلاء صاغرين ، لا يتخلف أحد عن أمره كما قال : « يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ » . وقال : « ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ » وقال : « يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ » . ولما ذكر دخورهم أتبعه بدخور ما هو أعظم منهم فقال : ( وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ) أي وترى الجبال كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه وهي تزول عن أماكنها وتسير حثيثا كمر السحاب ، لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تبين حركتها . ونحو الآية قوله : « يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً . وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً » وقوله : « وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً » وقوله : « وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً » وهذا يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق ، فيبدل اللّه الأرض غير الأرض ويغيّر هيئتها ويسيّر الجبال عن مقارّها ليشاهدها أهل المحشر ، وهي وإن