أحمد مصطفى المراغي

143

تفسير المراغي

وعلانيته ، ثم ذكر أنه لم يخلق السماوات والأرض إلا لحكمة يعلمها المؤمنون ، ويدركها المستبصرون وهي ما أرشد إليها بقوله : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » . وبعد أن أمر سبحانه عباده بما تقدم بيانه وأظهر الحق ببرهانه ، ولم يهتد بذلك المشركون ، سلّى رسوله بأمره بتلاوة كتابه وعبادته تعالى طرفي النهار وزلفا من الليل ، وإرشاده إلى أن اللّه عليم بما يصنع عباده ، وسيجازيهم كفاء ما يعملون من خير أو شر . الإيضاح ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ) أي مثل الذين اتخذوا الأصنام والأوثان من دون اللّه أولياء يرجون نصرهم ونفعهم لدى الشدائد ؛ في قبيح احتيالهم وسوء اختيارهم لأنفسهم ، كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها ، اتخذت لنفسها بيتا يكنّها من حر وبرد ودفع أذى ، فلم يغن عنها شيئا حين حاجتها إليه ، فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون اللّه شيئا ، ولم يدفعوا عنهم ما أحله اللّه بهم من سوء العذاب بكفرهم به وعبادتهم سواه . وخلاصة ذلك - إن بيت العنكبوت لا يكنّ ولا يمنع أذى الحر والبرد كما هو شأنها فيما ترون ، فكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرزق ، وجر المنافع ، ودفع المضار ، وما عبده الكافرون لم يفدهم شيئا من ذلك ، فكيف يصرّون على عبادتهم ؟ . ثم ذكر جهلهم وسوء تقديرهم لما صنعوا فقال : ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) أي لو كان هؤلاء الذين اتخذوا من دون اللّه أولياء - يعلمون أن أولياءهم لا يجدونهم فتيلا ولا قطميرا ، كما لا يجدى بيت العنكبوت عنها شيئا - ما فعلوا ذلك ؛ لكنهم قد بلغ بهم الجهل وسوء