أحمد مصطفى المراغي

138

تفسير المراغي

خاف عليهم من قومه ، وحصلت له مساءة وغم بسببهم ، مخافة أن يقصدهم أحد بسوء وهو عاجز عن مدافعة قومه ، وتدبير الحيلة لحمايتهم ودفع الأذى عنهم ، وحين رأوه على هذه الحال من القلق والاضطراب قالوا له : هوّن على نفسك ولا تخف علينا ، ولا تحزن بما نفعله بقومك ، فإنهم قد بلغوا في الخبث مبلغا لا مطمع في رجوعهم عنه مهما نصحت وألحفت في الإرشاد . ثم ذكروا ما يوجب زوال خوفه وحزنه وما يشيرون به إلى أنهم ملائكة فقالوا : ( إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) أي إنا منجوك من العذاب الذي سينزل بقومك ، ومنجو أتباعك معك ، فلن يصيبكم ما يصيبهم منه إلا امرأتك فإنها من الهالكين ، لمظاهرتها إياهم والميل إلى شد أزرهم والدفاع عنهم ، فقد كانت تدلهم على ضيوفه ، فيقصدونهم بالسوء ، فصارت شريكة لهم في الجرم . وبعد أن بشروه بالنجاة قالوا له : ( إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) أي منزلون عليها عذابا من لدنا يرتجزون له ( يضطربون ) وتنخلع له قلوبهم ، لأن الفسق قد تغلغل في أفئدتهم ، وصار هجّيراهم وديدنهم . وأشهر الآراء أن زلزلة خسفت بهم الأرض ، وابتلعتهم في باطنها وصار مكان قريتهم بحيرة ملحة ( البحر الميت ) . وبعدئذ بين أن ما حل بهم عبرة لمن اعتبر وادّكر فقال : ( وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أي ولقد أبقينا مما فعلنا بهم عبرة بينة ، وعظة زاجرة ، لقوم يستعملون عقولهم في الاستبصار ، وجعلناها مثلا للآخرين . ونحو الآية قوله : « وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ . وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ » . وتقدم أن قلنا آنفا عند ذكر هذه القصة ما أثبته الكشف الحديث في هذا الموضع .