أحمد مصطفى المراغي

129

تفسير المراغي

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 24 إلى 25 ] فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 24 ) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 25 ) المعنى الجملي بعد أن أقام لهم الحجج والبراهين على الوحدانية وإرسال الرسل والحشر والجزاء ؛ أردف هذا ببيان أنهم جحدوا وعاندوا ودفعوا الحق بالباطل بعد أن ألزمهم الحجة ، ولم يجدوا للدفاع سبيلا ، وحينئذ عدلوا إلى استعمال القوة كما هو دأب المحجوج المغلوب على أمره ، فقالوا لقومهم : « ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم » ، فأنجاه اللّه من كيدهم ، وجعلها عليه بردا وسلاما ، فعاد إلى لومهم بعد أن أخرج من النار ، وقال : إن تمسككم بما أنتم عليه لم يكن عن دليل وبرهان ، بل عن تقليد وحفظ للمودة بينكم ، فلا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه في السيرة والطريقة ولكنكم يوم القيامة تتحاجون حين يزول عمى القلوب ، وتستبين الأمور للّبيب الأريب ، ويكفّر بعضكم بعضا ، فيقول العابد : ما هذا معبودى ، ويقول المعبود : ما هؤلاء بعبدتي ، ويلعن بعضكم بعضا ، فيقول هذا لذاك : أنت الذي أوقعتنى في العذاب حيث عبدتني ، ويقول ذاك لهذا : أنت الذي أوقعتنى فيه حيث أضللتنى بعبادته ، ويود كل منكم أن يبعد عن صاحبه ، وأنّى لهما ذلك ، وهما مجتمعان في النار ؟ وما لهما ناصر يخلّصهما منها كما خلصني ربى من النار التي ألقيتمونى فيها .