أحمد مصطفى المراغي

125

تفسير المراغي

إن كان لديكم ذرة من الإدراك والعلم ، تميزون بها الخير من الشر ، وتعلمون ما ينفعكم في مستأنف حياتكم الدنيوية والأخروية . ثم أرشدهم إلى فضل ما يدعوهم إليه ، وفساد ما هم عليه بقوله : ( إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ) أي ما تعبدون من دون اللّه إلا تماثيل هي مصنوعة بأيديكم ، وتكذبون حين تسمّونها آلهة ، وتدّعون أنها تشفع لكم عند ربكم . ثم زاد في النعي عليهم والتهكم بهم ، وبيان أن ذلك لا يجديهم نفعا فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ) أي إن أوثانكم التي تعبدونها لا تقدر أن ترزقكم شيئا من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه ، فكيف تعبدونها ؟ ثم ذكر لهم من ينبغي أن يعبد فقال : ( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ) أي فالتمسوا الرزق عند اللّه لا عند أوثانكم تدركوا ما تطلبون ، واعبدوه وحده ، واشكروا له نعمه عليكم مستجلبين بذلك المزيد من فضله . وبعد أن ذكر أنه هو الرازق في الدنيا والمنعم على عباده ، بين أن المرجع إليه في الآخرة ؛ فهو الذي يطلب رضاه ، والتقرب إليه ، والزلفى عنده ، فقال : ( إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أي واستعدوا للقائه تعالى بالعبادة والشكر له ، فإنكم إليه ترجعون ؛ فيسألكم عما أنتم عليه من عبادتكم غيره ، وأنتم عباده وخلقه ؛ وفي نعمه تتقلبون ، ومن رزقه تأكلون . ولما فرغ من إرشادهم إلى الدين الحق ؛ حذّرهم من تركه ، وهددهم بما حل بمن قبلهم من المكذبين للرسل فقال : ( وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) أي وإن تصدقوني فقد فزتم بسعادة الدارين ، وإن تكذبوني فيما أخبرتكم به فلا تضرونى بتكذيبكم ، فقد كذب أمم