أحمد مصطفى المراغي
119
تفسير المراغي
الإيضاح ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ) أي ومن الناس فريق يقول : آمنا باللّه وأقررنا بوحدانيته ، فإذا آذاه المشركون لأجل إيمانه ، جعل فتنة الناس في الدنيا كعذاب اللّه في الآخرة ، فارتد عن إيمانه ، ورجع إلى كفره ، وكان يمكنه أن يصبر على الأذى ، ويجعل قلبه مطمئنا بالإيمان ، ولكنه جعل فتنة الناس صارفة له عن الإيمان ، كما أن عذاب اللّه صارف للمؤمنين عن الكفر ، وعذاب الناس له دافع ، وعذاب اللّه ليس له دافع ، وعذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم ، وعذاب اللّه بعده العقاب الأليم ، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة تطيب النفس لها ولا تعدّها عذابا . قال الزجاج : ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في اللّه . أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وأبو ليلى عن أنس قال : قال صلى اللّه عليه وسلم : « لقد أوذيت في اللّه وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في اللّه ، وما يخاف أحد ، ولقد أتت علىّ ثالثة ، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال » . وخلاصة ذلك : إن من الناس من يدّعون الإيمان بألسنتهم ، فإذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة اللّه تعالى منهم ، فارتدّوا عن الإسلام ، ورجعوا إلى الكفر الذي كان متغلغلا في حنايا ضلوعهم وشغاف قلوبهم . ونحو الآية قوله : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ » . ( وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ) أي ولئن جاء نصر قريب من لدى ربك بالفتح والمغانم ليقولنّ هؤلاء المنافقون : إنا كنا معكم إخوانا في الدين ننصركم على أعدائكم ، وهم كاذبون فيما يدّعون . ونحو الآية قوله : « الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ، فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا