أحمد مصطفى المراغي
113
تفسير المراغي
روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خبّاب بن الأرت قال : « شكونا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه ؛ فما يصدّه ذلك عن دينه ، واللّه ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ؛ لا يخاف إلا اللّه والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون » . و عن أبي سعيد الخدري قال : « دخلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يوعك ، فوضعت يدي عليه ، فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف ، فقلت : يا رسول اللّه ما أشدها عليك ! قال إنا كذلك يضعّف لنا البلاء ويضعّف لنا الأجر ، قلت : يا رسول اللّه : أىّ الناس أشد بلاء ؟ قال الأنبياء ، قلت : ثم من ؟ قال : ثم الصالحون ، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها ( يمزقها ) وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء » . ونحو الآية قوله : « وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا » . ( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ) أي وليظهرنّ اللّه الصادقين منهم في إيمانهم من الكاذبين بما يشبه الامتحان والاختبار ، وليجازينّ كلا بما يستحق . وخلاصة ما سلف : أيها الناس لا تظنوا أنى خلقتكم سدى ، بل خلقتكم لترقوا إلى عالم أعظم من عالمكم وأرقى منه في كل شؤونه ، ولا يتم ذلك إلا بتكليفكم بعلم وعمل ، واختباركم من آن إلى آخر بإنزال النوازل والمصائب ، في الأنفس والأموال والثمرات ، والتخلي عن بعض الشهوات ، وفعل التكاليف من الزكاة والصيام والحج ونحوها فحياتكم حياة جهاد وشقاء ، شئتم أو أبيتم .