أحمد مصطفى المراغي
26
تفسير المراغي
يدعونك إليه من موافقتهم على مذاهبهم وآرائهم ، وجاهدهم بالشدة والعنف ، لا بالملاينة والمداراة لتكسب ودّهم ومحبتهم ، وعظهم بما جاء به القرآن من المواعظ والزواجر ، وذكّرهم بأحوال الأمم المكذبة لرسلها ، وذلك منتهى الجهاد الذي لا يقادر قدره . ونحو الآية قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ » * . والخلاصة - إنك مبعوث إلى الناس كافة ، لتنذرهم ما بين أيديهم وما خلفهم ، فاجتهد في دعوتك ، ولا تتوان فيها ، ولا تحفل بوعيدهم ، فإن اللّه ناصرك عليهم ومظهر دينك على الدين كله ولو كره المشركون . ( 4 ) ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ) أي ومن آثار نعمته على خلقه أن خلى البحرين متجاورين متلاصقين وجعلهما لا يمتزجان ، ومنع الملح من تغيير عذوبة العذب وإفساده إياه ، وحجزه عنه بقدرته ، فكأن بينهما حاجزا يمنع أحدهما من إفساد الآخر ، وكأن بينهما ساترا يجعله لا يبغى عليه . والخلاصة - إنه تعالى جعل البحرين مختلطين في مرأى العين ، منفصلين في التحقيق بقدرته تعالى بحيث لا يختلط الملح بالعذب ولا العذب بالملح ، ولا يتغير طعم أحدهما بالآخر ولا يفسده . ونحو الآية قوله في سورة الرحمن : « مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » . ( 5 ) ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ) أي وهو الذي جعل الماء جزءا من مادة الإنسان ، ليقبل الأشكال المختلفة ، والأوضاع المنوّعة وقسمه قسمين ذوى نسب ينسب إليهم وهم الذكور ، وذوات صهر يصاهر بهن وهن