أحمد مصطفى المراغي

24

تفسير المراغي

كما يستركم اللباس ، وجعل النوم كالموت لتعطيله الحواس ووظائفها المختلفة كما قال : « وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ » وقال : « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها » وجعل النهار زمان بعث من ذلك الموت . وخلاصة ذلك - جعلنا موتكم بالنوم في الليل ، وجعلنا نشوركم : أي انبعاثكم من النوم الذي يشبه الموت بالنهار ، إذ ينشر الخلق للمعاش كما ينشرون بعد الموت للحساب . قال لقمان لابنه كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر . ونحو الآية قوله : « وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ » الآية . ( 3 ) ( وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) أي واللّه الذي أرسل الرياح مبشّرات بقدوم الأمطار . ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) الطهور اسم لما يتطهر به كالوقود لما توقد به النار والوضوء لما يتوضأ به ، أي وأنزلنا من السحاب ماء تتطهرون به في غسل ملابسكم وأجسامكم ، وتنتفعون به في طبخ مطاعمكم ، وتشربونه عذبا فراتا . روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في البحر « هو الطّهور ماؤه ، والحل ميتته » أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي . ( لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً ) أي وأنزلناه لنحيى به أرضا طال انتظارها للغيث ، فهي هامدة لا نبات فيها ، وبذلك الماء تزدهر بالشجر والنبات والأزهار ، وذلك أشبه بالحياة للإنسان والحيوان . ونحو الآية قوله : « فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » وقوله : « فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » ( وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ) أي وليشرب منه الحيوان والإنسان ،