أحمد مصطفى المراغي
19
تفسير المراغي
ذلك الاستهزاء به والحطّ من قدره حتى لقد قال بعضهم لبعض : أهذا الذي بعث اللّه رسولا ؟ بل لقد غالوا في ذلك فسمّوا دعوته إضلالا ، فرد اللّه عليهم مقالهم وأبان لهم أنه سيظهر لهم حين مشاهدة العذاب من الضالّ ومن المضلّ ؟ ثم عجّب رسوله من شناعة أحوالهم بعد حكاية أقوالهم وأفعالهم القبيحة ، وأرشد إلى أن مثل هؤلاء يبعد أن يزدجروا عما هم فيه من الغىّ بنصحك وإرشادك ، فإن أكثرهم لا يسمعون ولا يعقلون وما هم إلا كالأنعام أو أضل منها سبيلا . روى أن الآية الأولى نزلت في أبى جهل ومن معه فإنه كان إذا مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع صحبه قال مستهزئا ( أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ) . الإيضاح ( وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ) أي وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصصت عليك قصصهم - اتخذوك موضع هزؤ وسخرية وقالوا احتقارا لشأنك هذه المقالة . ثم ذكر ما زاد قبحه في زعمهم فقال : ( إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها ) أي ويقولون إنه قد كاد يصدّنا عن عبادة آلهتنا لولا صبرنا على عبادتها وثباتنا على ديننا . وفي هذا إيماء إلى وجوه من الفائدة : ( 1 ) إنه صلى اللّه عليه وسلم قد بلغ من الاحتفال في الدعوة إلى التوحيد وإظهار المعجزات ، وإقامة الحجج والبينات ، مبلغا شارفوا به أن يتركوا دينهم لولا فرط عنادهم وتناهى عتوهم ولجاجهم . ( 2 ) الدلالة على تناقضهم واضطرابهم ، فإن في استفهامهم السابق ما يدل على التحقير له ، وفي آخر كلامهم ما يدل على قوة حجته ، ورجاحة عقله ، فذكره تحميق لهم وتجهيل لاستهزائهم بما استعظموه .