أحمد مصطفى المراغي
95
تفسير المراغي
ألا يدخلوا بيوت غيرهم إلا بعد الاستئذان والسلام حتى لا يطلعوا على عورات سواهم ، ولا ينظروا إلى ما لا يحل لهم النظر إليه ، ولا يقفوا على الأحوال التي يطويها الناس في العادة ، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها إلى أن في هذا تصرفا في ملك غيرك فلا بد أن يكون برضاه . وينبغي أن يكون الاستئذان ثلاث مرات ، فإن أذن له دخل وإلا انصرف ، فقد ثبت في الصحيح أن أبا موسى الأشعري حين استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له انصرف ، ثم قال عمر : ألم أسمع صوت عبد اللّه بن قيس ( يعنى أبا موسى ) يستأذن ؟ ائذنوا له فطلبوه فوجدوه قد ذهب ، فلما جاء بعد ذلك قال ما أرجعك ؟ قال إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي ، وإني سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف » . ( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أي الاستئذان والتسليم والانتظار حتى يؤذن لكم خير من الدخول بغتة أو من الدخول على عادة الجاهلية ، فقد كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول حيّيتم صباحا ، حيّيتم مساء ، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد . وقد أرشدكم ربكم إلى ذلك كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بما أمرتم به . ( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ) أي فإن لم تجدوا فيها أحدا ممن يملك الإذن ، بأن كان فيها عبد أو صبي فلا تدخلوها حتى يأذن لكم من يملكه وهو رب الدار . وقد استثنى من ذلك ما إذا دعت الضرورة إلى الدخول فورا كإطفاء حريق أو منع حدوث جناية أو نحو ذلك . ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ ) أي وإن قال لكم أهل البيت تستأذنون فيه ارجعوا فارجعوا ، فإن الرجوع أطهر لكم في دينكم ودنياكم ، لأن رب الدار قد يستوحش ويتأذى بوقوف غيره على بابه بعد منع الاستئذان ،