أحمد مصطفى المراغي

9

تفسير المراغي

( فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ) أي فصيرناها كذلك ، وميزنا بين أجزائها ، فما كان منها من العناصر الداخلة في تكوين العظام جعلناه عظاما ، وما كان من مواد اللحم جعلناه لحما ، والمواد الغذائية شاملة لذلك ومنبثة في الدم ، ومن ثم قال : ( فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ) أي فجعلنا اللحم كسوة لها ، من قبل أنه يستر العظام ، فأشبه بالكسوة الساترة للجسم . ( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) مباينا للخلق الأول ، إذ نفخنا فيه الروح وجعلناه حيوانا بعد ما كان أشبه بالجماد ، ناطقا سميعا بصيرا ، وأودعنا فيه من الغرائب ظاهرها وباطنها ما لا يحصى . وقد قال العلماء : إن جميع أعضاء الإنسان مقسمة تقسيما دقيقا على نسب معينة مقيسة بشبره ، فطوله ثمانية أشبار بشبره ، وإذا مدّ يديه إلى أعلى كان عشرة أشبار بقياسه ، وإذا مد يديه إلى الجانبين كان طولهما كطوله على السواء ، ومن ثمّ جعل المصريون أصل المقاييس الشبر ، وجعلوا كل ضلع من أضلاع الهرم الأكبر بالجيزة ألف شبر بشبر الإنسان . ( فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) أي فتنزه ربنا جلت قدرته ، وهو أحسن المقدّرين المصورين . عن أنس قال : قال عمر « وافقت ربى في أربع ، قلت يا رسول اللّه لو صلينا خلف المقام فأنزل اللّه « وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى » وقلت يا رسول اللّه لو اتخذت على نسائك حجابا ، فإنه يدخل عليك البرّ والفاجر فأنزل اللّه « إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ » وقلت لأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لتنتهنّ أو ليبدلنه اللّه أزواجا خيرا منكن فنزلت « عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ » الآية ونزلت « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ - إلى قوله - ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ، فقلت : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : هكذا أنزلت يا عمر أخرجه الطيالسي .