أحمد مصطفى المراغي

59

تفسير المراغي

وأنزلت عليكم الكتب ، وأزلت عنكم الشّبه ، ولم يبق لكم حجة كما قال : « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » وقال : « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » فكذبتم بها ، وأعرضتم عنها ، وآذيتم من جاء بها . ونحو الآية قوله : « كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ » . ثم ذكر جوابهم عن ذلك فقال : ( قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ) أي قالوا قد قامت علينا الحجة ولم ننقد لها ، لسوء استعدادنا وتغلّب شهواتنا ، ولما دسّينا به أنفسنا من الآثام والمعاصي ومن ثم ضللنا طريق الهدى ، ولم نتبع الحق . ونحو الآية قوله « فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ » . والخلاصة - إنا كنا نعرف الحق ، ولكن العادة وخشية الناس ملكتا علينا أمرنا ، فلم نقدر على الخلاص مما نحن فيه ، وما مثلنا إلا مثل شاربي الخمر والتّبغ والمولعين بحب الكبرياء والعظمة والمغرمين بالإسراف ، فإنهم يعرفون أضرارها ، ثم لا يجدون سبيلا إلى تركها ولا للبعد عنها . وبعدئذ حكى دعاءهم ربّهم أن يخرجهم منها : وقولهم فإن عدنا كنا ظالمين فقال : ( رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ) أي قالوا ربنا أخرجنا من النار ، وارددنا إلى الدنيا ، فإن عدنا إلى مثل ما سلف منا من الشرور والآثام كنا ظالمين لأنفسنا جديرين بالعقوبة . ثم ذكر ما أجيبوا به عن طلبهم هذا فقال : ( قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ) أي قال امكثوا فيها أذلاء صاغرين واسكتوا ، ولا تعودوا إلى مثل سؤالكم هذا ، فإنه لا رجعة لكم إلى الدنيا ، وإنما يكلمني من سمت نفسه إلى عالم الأرواح ، ولبس رداء الخوف والخشية من ربه ، واحتقر الدنيا وشهواتها ، وعزف عنها ، لما يرجوه من ربه من ثواب عميم ، ونعيم مقيم .