أحمد مصطفى المراغي
53
تفسير المراغي
ثم أمره أن يستعيذ من حيل الشياطين وأن يحضروه في أي عمل من أعماله ، ولا يكون كالكافرين الذين قبلوا همزها وأطاعوا وسوستها ، حتى إذا ما حان وقت الاحتضار تمنّوا أن يعودوا إلى الدنيا ليعملوا صالحا ، وإنه لا يسمع لمثل هؤلاء دعاء ، فإنه لا رجعة لهم بعد هذا ، وأمامهم حاجز يحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا إلى يوم البعث . الإيضاح ( قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ . رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي قل رب إن عاقبتهم وأنا مشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم ، ولا تهلكنى بما تهلكهم به ، ونجّنى من عذابك وسخطك ، واجعلني ممن رضيت عنهم من أوليائك . وفي أمره بذلك إيماء إلى أن العذاب قد يلحق غير من هو أهل له كما قال : « وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً » . روى الإمام أحمد والترمذي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يدعو « وإذا أردت بقوم فتنة فتوفّنى إليك غير مفتون » . ( وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ ) أي وإنا أيها الرسول لقادرون على أن نريك ما ننزله بهم من العذاب ، فلا يحزننك تكذيبهم بك ، وإنما تؤخره حتى يبلغ الكتاب أجله ، علما منا أن بعضهم أو بعض أعقابهم سيؤمن ، ومن جزاء ذلك لا نستأصلهم ولا نمحو آثارهم . ثم أرشده إلى ما يفعل بهم إذا لحقه أذاهم فقال : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ) أي ادفع الأذى عنك بالخصلة التي هي أحسن ، بالإغضاء والصفح عن جهلهم والصبر على أذاهم وتكذيبهم بما أتيتهم به من عند ربك ، ونحن أعلم بما يصفوننا به ، وينحلونه إيانا من الاختلاق والأكاذيب ،