أحمد مصطفى المراغي

43

تفسير المراغي

قومك إلى ذلك الدين القيم الذي تشهد العقول السليمة باستقامته ، وبعده عن الضلال والهوى والاعوجاج والزيغ . وخلاصة ما سبق ما قاله صاحب الكشاف : قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم - بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره ، وحاله مخبور سره وعلنه ، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم ، وأنه لم يعرض له حتى يدّعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل ، ولم يجعل ذلك سلّما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم ، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم ، مع إبراز المكنون من أدوائهم ، وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل ، واستهتارهم بدين الآباء الضّلال من غير برهان ، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق ، وثبات التصديق من اللّه بالمعجزات والآيات النيّرة ، وكراهتهم للحق ، وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر اه . ثم بين أن الذين ينكرون البعث هم في ضلال مبين فقال : ( وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ) أي وإن الذين لا يصدقون بالبعث بعد الموت ، وبقيام الساعة ومجازاة اللّه عباده في الآخرة - عادلون عن محجة الحق ، وعن قصد السبيل ، وهو دين اللّه الذي ارتضاه لعباده ، ونصب الأدلة عليه . ( وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) أي إنهم بلغوا في التمرد والعناد حدا لا يرجى معه صلاح لهم ، فلو أنهم ردوا في الآخرة إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه ، لشدة لجاجهم وتدسيتهم لأنفسهم . ( وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ) أي ولقد قتلنا سراتهم بالسيف يوم بدر ، فما خضعوا لربهم ولا انقادوا لأمره ونهيه ولا تذللوا ولا ردهم ذلك عما كانوا فيه ، بل استمروا في غيهم وضلالهم . ونحو الآية قوله : « فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا » . ثم أبان عاقبة أمرهم وما يكون من حالهم إذا جاءت الساعة فقال :