أحمد مصطفى المراغي

34

تفسير المراغي

ويدخل في قوله : ( يُؤْتُونَ ما آتَوْا ) كل حق يلزم إيتاؤه ، سواء أكان من حقوق اللّه كالزكاة والكفارة وغيرها أم من حقوق العباد كالودائع والديون والعدل بين الناس ، فمتى فعلوا ذلك ( وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ، من التقصير والإخلال بها بنقصان أو غيره ) اجتهدوا في أن يوفّوها حقّها حين الأداء . و سألت عائشة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قوله : « ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) أهو الذي يزنى ويشرب الخمر ، ويسرق وهو على ذلك يخاف اللّه تعالى ؟ فقال لا يا بنت الصديق ، ولكن هو الرجل يصلى ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يقبل ذلك منه . ( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) أي أولئك الذين جمعوا هذه المحاسن يرغبون في الطاعات أشد الرغبة ، فيبادرونها لئلا تفوتهم إذا هم ماتوا ، ويتعجلون في الدنيا وجوه الخيرات العاجلة التي وعدوا بها على الأعمال الصالحة في نحو قوله : « فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ » وقوله : « وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ » ( وَهُمْ لَها سابِقُونَ ) أي إنهم يرغبون في الطاعات وهم لأجلها سابقون الناس إلى الثواب ، لا أولئك الذين أمددناهم بالمال والبنين فظنوا غير الحق أن ذلك إكرام منّا لهم ، فإن إعطاء المال والبنين والإمداد بهما لا يؤهل للمسارعة إلى الخيرات ، وإنما الذي يؤهل للخيرات هو خشية اللّه وعدم الإشراك به وعدم الرياء في العمل والتصديق مع الخوف منه . ومعنى ( هم لها ) أنهم معدون لفعل مثلها من الأمور العظيمة ، كقولك لمن يطلب منه حاجة لا ترجى من غيره - أنت لها - وعلى هذا قوله : مشكلات أعضلت ودهت * يا رسول اللّه أنت لها وخلاصة ذلك - إن النعم ليست هي السعادة الدنيوية ونيل الحظوظ فيها ، بل هي العمل الطيب ، بإيتاء الصدقات ونحوها مع إحاطة ذلك بالخوف والخشية .