أحمد مصطفى المراغي

18

تفسير المراغي

أهلا للنبوة وتلقى الوحي من ربه وما هو إلا رجل يريد أن يسودكم ويكون له الصّولة والسلطان عليكم ، وقد ادعى الرسالة ليصل إلى ما تصبو إليه نفسه وليس له من حقيقتها شئ . وبعد أن بينوا أن لا مقتضى لاختصاصه بالنبوة ذكروا الموانع التي تحول بينه وبينهما فذكروا أمورا ثلاثة : ( 1 ) ( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ) أي ولو شاء اللّه ألا نعبد سواه لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدى إليكم رسالته . ( 2 ) ( ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ) أي ما سمعنا في القرون الغابرة عهود الآباء والأجداد بمثل هذا الذي يدعو إليه نوح من أنه لا إله إلا إله واحد لا ربّ غيره ولا معبود سواه . وفي هذا إيماء إلى أنهم قوم لا رأى لهم ، وإنما يعولون على التقليد وقول الآباء والأجداد ، فلما لم يجدوا عن آبائهم شيئا مثل هذا أنكروا نبوّته ، وفيه إشارة أيضا إلى أنهم قد بلغوا الغاية في العناد والتكذيب والانهماك في الغى والضلال . ( 3 ) ( إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ) أي وما نوح إلا رجل به خبل في عقله ، فمزاعمه لا تصدر إلا من رجل لا يزن قوله ، ولا يدعم رأيه بحجة ناصعة ، فلا يلتفت إذا إلى ما يدّعى ، ولا ينبغي أن نضيع الوقت في محاجّته ، ودحض مزاعمه في صدق دعوته . وبعد أن ذكروا موانع نبوّته ذكروا الطريقة المثلى في إبطال دعوته فقالوا : ( فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ) أي فتلبثوا وانتظروا ، لعله يضيق مما هو فيه فيعود سيرته الأولى ، ويرجع من تلقاء نفسه إلى دينكم ودين آبائكم وأجدادكم . وهذا من مكابراتهم لفرط عنادهم ، إذ هم يعلمون أنه أرجح الناس عقلا ، وأرزنهم قولا . ولم يردّ سبحانه على هذه الشبه لسخافتها ووضوح فسادها ، إذ كل عاقل يعلم أن الرسول يتميز من غيره بالمعجزات التي تأتى على يديه سواء أكان ملكا أم بشرا