أحمد مصطفى المراغي
161
تفسير المراغي
الإيضاح ( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ ) أي إن جميع من سبقك من الرسل كانوا يأكلون الطعام للتغذي به ، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة ، ولم يقل أحد إن ذلك نقص لهم يغضّ من كرامتهم ويزرى بهم ، ولم يكن لهم امتياز عن سواهم في هذا ، وإنما امتازوا بصفاتهم الفاضلة ، وخصائصهم السامية ، وآدابهم العالية ، وبما ظهر على أيديهم من خوارق العادات ، وباهر المعجزات ، مما يستدلّ به كل ذي لب سليم وبصيرة نافذة على صدق ما جاءوا به من عند ربهم - فمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بدعا من الرسل ، إذ يأكل ويمشى في الأسواق ، وليس هذا بذم له ولا مطعن في صدق رسالته كما تزعمون . ونحو الآية قوله تعالى : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى » وقوله : « وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ » . ثم سلى رسوله على قولهم : « أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها » بقوله . ( وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ ؟ ) أي وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض ، فجعلنا هذا نبيا وخصصناه بالرسالة ، وهذا ملكا وخصصناه بالدنيا ، وهذا فقيرا وحرمناه من لذات الحياة ونعيمها ، لنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغنى ، والملك بصبره على ما أوتيه الرسول من الكرامة ، وكيف يكون رضى كل منهم بما أعطى وقسم له ، وطاعته ربه على حرمانه مما أعطى سواه - ومن جرّاء هذا لم أعط محمدا الدنيا وجعلته بمشى في الأسواق يطلب المعاش ، لأبتليكم وأختبر طاعتكم وإجابتكم إياه إلى ما دعاكم إليه وهو لم يرج منكم عرضا من أعراض الدنيا ، ولو أعطيتها إياه لسارع كثير منكم إلى اتباعه ، طمعا في أن ينال شيئا من دنياه .