أحمد مصطفى المراغي

155

تفسير المراغي

نسوّدك ، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما بي مما تقولون ، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن بعثني إليكم رسولا ، وأنزل على كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علىّ أصبر حتى يحكم اللّه بيني وبينكم ، قالوا يا محمد : فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فسل لربك ، وسل لنفسك أن يبعث معك ملكا يصدّقك فيما تقول ويراجعنا عنك ، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا من ذهب وفضة ويغنيك عما نراك تبتغى ، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن اللّه بعثني بشيرا ونذيرا ، فأنزل اللّه في ذلك هذه الآية . أخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر . وبعد أن حكى عنهم أوّلا أنهم يثبتون له كمال العقل ولكنهم ينتقصونه بصفات في شؤون الدنيا - حكى عنهم ثانيا أنهم نفوا عنه العقل بتاتا وادّعوا أنه مختلّ الشعور والإدراك ، وإلى هذا أشار بقوله : ( وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ) أي وقال الكافرون الظالمون لأنفسهم بنسبتهم إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما هو منه براء ، وما يدل العقل والمشاهد على نفيه عنه : ما تتبعون إلا رجلا سحر فاختلّ عقله فهو لا يعى ما يقول ، ومثله لا يطاع له رأى ، وهذا منهم ترقّ في انتقاصه ، وأنه لا يصلح للنبوة بحال . ولما ذكر ضلالاتهم التفت إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم مسليا له بقوله : ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) أي انظر وأعجب لهم : كيف جرءوا على التفوّه بتلك الأقاويل العجيبة ، فاخترعوا لك صفات وأحوالا بعيدة كل البعد عن صفاتك التي أنت عليها ، فضلوا بذلك عن طريق الهدى