أحمد مصطفى المراغي

132

تفسير المراغي

ثم بين فضله على عباده في بيان أحكام دينهم لهم فقال : ( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) أي ومثل هذا التبيين لتلك الأحكام يبين لكم شرائع دينكم وأحكامه ، واللّه عليم بما يصلح أحوال عباده ، حكيم في تدبير أمورهم ، فيشرع لهم ما يصلح أحوالهم في المعاش والمعاد . روى سعيد بن جبير عن ابن عباس : ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ » الآية ، وقوله في النساء : « وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى » الآية ، وقوله في الحجرات : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » . وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في العورات الثلاث التي أمر اللّه بها في القرآن فقال : إن اللّه ستّير يحب الستر ، كأن الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم ، فربما فجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله ، فأمرهم اللّه أن يستأذنوا في تلك العورات ، ثم بسط اللّه عليهم الرزق فاتخذوا الستور واتخذوا الجبال فرأوا أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به اه . ولما بين اللّه حكم الأرقاء والصبيان الذين هم أطوع للأمر وأقبل لكل خير - أتبعه بحكم البالغين الأحرار بقوله : ( وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي وإذا بلغ الصغار من أولادكم وأقربائكم الأحرار سنّ الاحتلام وهو خمس عشرة سنة فلا يدخلوا عليكم في كل حين إلا بإذن لا في أوقات العورات الثلاث ولا في غيرها ، كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه . وذكر اللّه في هذه الآية حكم الأطفال إذا بلغوا ولم يذكر حكم ما ملكت أيماننا مع أن ما قبلها فيه ذكر المماليك والأطفال - لأن حكم ما ملكت اليمين وحد كبارهم ، صغارهم ، وهو الاستئذان في الساعات الثلاث التي ذكرت في الآية قبل